محمد جمال الدين القاسمي

19

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] ، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة . قيل : المماراة المجادلة . وقيل بالفرق . فالمجادلة المحاجّة مطلقا . والمماراة المحاجة فيما فيه مرية أي تردد ، لأنها من ( مريت الناقة ) إذا مسحت ضرعها للحليب وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي لا تسأل أحدا منهم عن نبئهم . لأن السؤال إما للاسترشاد ، أو للتعنت والمحاورة . ولا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه رجما بالغيب . من غير استناد إلى كلام معصوم . والتعنت للرد على الخصم وتزييف ما عنده ، ينافي مكارم الأخلاق . والمعنى : جاءك الحق الذي لا مرية فيه ، فهو المقدم الحاكم على ما تقدم من الكتب والأقوال . تنبيهات : الأول - ذهب أكثر المفسرين إلى أن قول الخائضين الأخير ، وهو أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، هو الحق . لأنه لم يوصف بكونه رجما بالغيب كما وصف الأولان . ولتخصيصه بالواو في قوله : وَثامِنُهُمْ وهي الواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة ، لإفادة تأكيد لصوق الصفة بالموصوف . والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر . وأنه لا عدد وراءه . كما قال ابن عباس : حين وقعت الواو انقطعت العدّة . وأقول : لا يخفى ضعف التمسك بهذين الوجهين لتقوية القول الأخير . فإن عدم وصفه بالرجم بالغيب إنما هو لدلالة ما قبله عليه . وفي إعادته إخلال بالبلاغة . ومسألة الواو أوهى من بيت العنكبوت . فإن مثل هذا النزاع لا يكتفى بحسمه بمثل هذا الإيماء الدقيق القريب من الإلغاز . كما لا يخفى على من تتبع مواقع حسم الشبه في الكتاب والسنة وكلام البلغاء . لا سيما والواو من المحكي لا من الحكاية . فيدل على ثبوته عند القائل لا عند اللّه ، فلا يكون من الإيماء في شيء . وجواب بعضهم بأنه تعالى لما حكى قولهم قبل أن يقولوه هكذا ، لقنهم أن يقولوه إذا أخبروا عنه بهذه العبارة ، وبأنه لا مانع أن تكون من الحكاية - بعيد غاية البعد ، وتكلف ظاهر ، وإغراب في القول . ثم قيل : إن هذه الجملة لا تتعين للوصفية . لجواز كونها حالا من النكرة ، لأن اقترانها بالواو مسوّغ . ويجوز أن يكون خبرا عن المبتدأ المحذوف . لأنه يجوز في مثله إيراد الواو وتركها . على أنه إنما يتم ما ذكروه لو لم يتبع قولهم بقوله تعالى : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ فإن في تأثره للأقوال المتقدمة كلها ، برهانا ظاهرا على أنهم لم يهتدوا لعدتهم ، وإرشادا إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام ، ردّ العلم إليه تعالى .